الشنقيطي
172
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
تنبيهان الأول : هاتان الآيتان أعني قوله تعالى : وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً [ البقرة : 234 ] وقوله : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ [ الطلاق : 4 ] من باب تعارض الأعمين من وجه ، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما ، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في المراقي بقوله : وإن يك العموم من وجه ظهر * فالحكم بالترجيح حتما معتبر وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم : وَأُولاتُ الْأَحْمالِ [ الطلاق : 4 ] مخصص لعموم وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ [ البقرة : 234 ] الآية . مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها ، وعليه فلا عموم في آية البقرة ؛ لأن قوله : وَيَذَرُونَ أَزْواجاً [ البقرة : 234 ] جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله : وَاللَّائِي يَئِسْنَ [ الطلاق : 4 ] فإنه مضاف إلى معرف بأل ، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم ، كما عقده في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم : * وما معرفا بأل قد وجدا * * أو بإضافة إلى معرف إذا تحقق الخصوص قد نفى الثاني : الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف ؛ لدلالة المقام عليه أي : والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا كقول العرب : السمن منوان بدرهم . أي : منوان منه بدرهم . قوله تعالى : وَلِلْمُطَلَّقاتِ مَتاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ ( 241 ) [ 241 ] . ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي ، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا ؟ فرض لها صداق أم لا ؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا ( 28 ) [ الأحزاب : 28 ] مع قوله : لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [ الأحزاب : 21 ] الآية - وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به صلّى اللّه عليه وسلم يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله : وما به قد خوطب النبي * تعميمه في المذهب السني وهو مذهب الأئمة الثلاثة ، خلافا للشافعي القائل بخصوصه به صلّى اللّه عليه وسلم إلا بدليل على العموم ، كما بيناه في غير هذا الموضع .